الشيخ داود الأنطاكي

150

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

قليل الماء إن كان الغذاء جافاً ، والا امتنع خصوصاً مع اللحوم والأسماك والفواكه ، وبعده أردأ واجلب للفساد . ويجب تقديم ما لطف وترتيب المختلفات كذلك ، فلو اضطر إلى تناول أشياء رتبها . مثال ذلك : إذا وجد اسفاناخ ودجاج ولحم حولي وجبن عتيق بدأ بالأول ، فالثاني وهكذا على النظم المذكور . وتقدم الفواكه مطلقاً ، ورخص في السفرجل « 1 » اكله بعد تناول الطعام ؛ لشده المعدة بالعصر ، وفي الكمثرى « 2 » والبطيخ بين طعامين . ولا يجوز لصفراوي اشتد حر معدته الفطور على البطيخ والتوت « 3 » والرمان والمشمش ؛ لسرعة استحالتها إلى ما تلاقيه من الخلط ، وعكسه عكسه . والصبي في الربيع والبلد المرطوب والصناعة الرطبة أبرد وايبس ما يمكن من غذاء وشراب وملبوس ومشموم وضده ، هكذا ينبغي أن يقال . ومن تمام الصحة تجنب التخليط في الأغذية ، وما نهوا عن الجمع فيه بخصوصه كالسمك واللبن ، والأرز والخل ، والعنب والرؤوس ، والهريسة والرمان ، والبطيخ الأصفر والعسل ، والعدس والحلو . ولكل علة بسطناها في المطولات . وإن وقع عدم الضرر من ذلك في بعض المرار ، فلا يغتر به ؛ لأن الضار لا تقوى عليه الطبيعة كل وقت . لكن قال ابقراط : من أراد قطع العادة الضارة فليقطعها تدريجاً ؛ لعسر مفارقة المألوف على الطبيعة دفعة واحدة . القسم الثاني : المشروب : وأفضله على الاطلاق الماء ؛ لأنه ركن أصلي للمركبات وبها قوامه ، وفيه من التلطيف والتبليغ إلى الغايات ما ليس في غيره ، وعليه حفظ رطوبة تمنع الحرارة عنها وبذرقة الأغذية ، هذا هو الصحيح . وقيل : انه يغذي البدن ، وهذا باطل ؛ لأنه لا ينعقد . وأفضله على الاطلاق ماء المطر في الصيف عند الشيخ ؛ للطف البخار حينئذٍ ؛ لأن الحرارة الأرضية ضعيفة لا تصعد الغليظ . وقال المتأخرون تبعاً للمسيحي : إن مطر الشتاء أصح ماء ؛ لخلو الجو فيه من

--> ( 1 ) السفرجل : شجر مثمر من الفصيلة الورديّة . ( المعجم الوسيط ) . قال الأنطاكي في تذكرته أنه : شجر معروف منابته بالشام والروم ، وأجوده الكائن بقرية من اعمال حلب تسمى ( ( مرغيان ) ) ، وهو قدر شجر التفاح إلّا انه أعرض ورقاً وأغلظ وأعقد عوداً . ويزهر غالباً بأيار ويدرك غالباً بآب ، وثمره يكون في حجم الرمان فأصغر ، عليه خمل كالغبار يلزمه غالباً ، وأجوده الكبير الهش الحلو الكثير المائية ، وهو قسمان : حلو معتدل رطب في الثانية ، وحامض يابس فيها بارد في الأولى . ( ج 1 ، ص 440 ) . ) ( 2 ) كُمَّثْرى : يسمى بالشام ( ( انجاص ) ) . وهو شجر يقارب السفرجل ، لكنه سبط لطيف العود والورق بري صغير الثمر داخله كالرمل قليل الحلاوة ، وبستاني أكبر شجراً وثمراً . أنظر : ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 617 ) ، و ( الجامع لابن البيطار ج 4 ، ص 341 ) . ) ( 3 ) التُوت : يسمى الفرصاد . وهو من الأشجار اللبنية ؛ ومن ثمَّ لم يركب في التين وبالعكس استثناء من القاعدة ، وهي كل شجر أشبه آخر في ورق أو ثمر أو غيرهما ركب فيه . والتوت اما ابيض ويعرف ب ( ( النبطي ) ) وعندنا ب ( ( الحلبي ) ) ، أو أسود عند استوائه ، احمر قبل ذلك ويعرف ب ( ( الشامي ) ) . والكل يدرك أوائل الصيف . ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 247 ) . وفي القانون : ( ( توث ) ) بالثاء . لاحظ ( ج 1 ، ص 694 ) . )